عبد الكريم الخطيب

915

التفسير القرآنى للقرآن

فما أكثر ما يقع الخلاف بين المتبوع والتابعين ، وما أكثر ما يملك المتبوع من القوة والسلطان ما يضرب به أتباعه الضربة القاضية . . وليس من المستبعد إذن أن يكون قد وقع خلاف بين هذا الصنم الكبير ، وبين أتباعه ، فأخذهم ببأسه ، ونكّل بهم هذا التنكيل الذي ترون ! فإن كنتم لا تصدقون . . « فَسْئَلُوهُمْ . . إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ » أي إن كان في قدرتهم أن ينطقوا ، وأن يكشفوا عن الجاني الذي جنى عليهم ، وحطم رؤوسهم ، ومزق أشلاءهم ! ولم ير إبراهيم أن يسألوا هذا الصنم الكبير . . بل دعاهم إلى أن يسألوا المجنى عليهم ، فهم أعرف بمن جنى عليهم ، إن كان بهم قدرة على الكلام . . أما الجاني فقد ينكر جنايته ، ولا يكشف عن فعلته . . وهذا هو السرّ في أن طلب إبراهيم إليهم أن يسألوا المجنى عليهم لا الجاني . . هذا ، وقد أكثر المفسرون في الحديث عن اتهام إبراهيم للأصنام ، ودفع التهمة عنه . . ودخلوا في جدل طويل حول هذا الكذب ، والمواطن التي يباح فيها للمرء أن يكذب ، وعدّوا هذا الذي كان من إبراهيم من الكذب المباح المتجاوز عنه . . لأنه من قبيل التقيّة ، التي يجوز المؤمن فيها أن ينطق بكلمة الكفر إذا تعرض للبلوى ، ما دام قلبه مطمئنا بالإيمان . . والأمر لا يحتاج إلى شئ من هذا ، فما قال إبراهيم هذا القول ، وهو يقدّر أن القوم يصدقونه ، أو يأخذون به . . وعندئذ يمكن أن يقال إن هذا كذب مباح ومعفوّ عنه . . وإنما قال إبراهيم ما قال ، استهزاء بالقوم ، وسخرية منهم ، وكشفا لهم عن حقيقة هذه الأحجار . . ولهذا ردّوا عليه قوله : « لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ » ! أي إنك تقول هذا القول ساخرا مستهزئا ، لأنك